أحمد ياسوف
471
دراسات فنيه في القرآن الكريم
أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [ الحاقة : 7 ] ، مع أن المقصود في هذا التشبيه واحد وهم قوم عاد . يقول أبو العباس المبرد كما نقل عن كتابه « المذكر والمؤنث » : « ليس في إحدى الآيتين رعاية للفاصلة ، وما أغنى القرآن عن رعايتها لو أدخلت على المعنى ، وإنما قصد جنس النخل في التذكير ، وأريدت جماعته في التأنيث ، وبكلتا الصيغتين نطقت العرب ، وعلى كلتيهما بنت تصرّفها في الكلام » . هذه لفتة طيبة من المبرد تبين استعجال الأستاذ الزيات في حكمه ، وهذه اللفتة منصبة في جهة التذكير والتأنيث ، أما اختلاف نعت أعجاز النخل مرة « خاوية » ومرة « منقعر » فإننا نجد أن كلمة « خاوية » معناها ساقطة ، وقد ناسبت هذه الفاصلة ما قبلها من سياق دون كلمة « منقعر » لأن القوم صرعى ألقت بهم الريح العاتية على الأرض ، كما ألقت بأركان بيوت القرية في قوله تبارك وتعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [ البقرة : 259 ] ، فهنا مع الخواء يقصد مجرد السقوط ، وعندما قصد البيان الإلهي خفتهم أمام قوة الريح ذكر كلمة « منقعر » فلكل فاصلة مرحلة زمنية من هذا العقاب ، وفي هذا يتضح التمكن في أقصى غاياته . ونحسن في تفصيلات الزمخشري ودقته دفع تهمة السجع ، وذلك من خلال مفردات نظرية النظم ، وهو يصرّح بهذا قائلا : « لا تحس المحافظة على الفواصل لمجردها ، إلا مع بقاء المعنى على سردها على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه ، وبني على ذلك أن التقديم في وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 4 ] ، ليس لمجرد الفاصلة ، بل لرعاية الاختصاص » « 1 » .
--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 137 .